الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

264

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الأول أنه لولا ذلك لزم خروج الواجب عن كونه واجبا إذ مع جواز التأخير حينئذ يلزم جواز ترك الواجب في الغالب وهو ما ذكر من اللازم وفيه أنه إنما يلزم خروج الواجب عن الوجوب لو جاز تركه مطلقا ومن البين خلافه لعدم جواز تركه على تقدير القطع بالفوات في الصورة تضيق الوقت وذلك كاف في حصول معنى الوجوب والفرق بينه وبين الندب لما عرفت من أن الواجب ما لا يجوز تركه في الجملة الثاني أن التكليف بالفروع دائر مدار الظن فإن المرء متعبد بظنه فيكون الظن في المقام قائما مقام العلم وفيه منع حجية الظن في الفروع مطلقا سيما في المقام حيث إنه من قبيل الموضوع الصرف وما ورد من أن المرء متعبد بظنه لم يثبت وروده عن صاحب الشريعة فلا وجه للاتكال عليه الثالث أنه مع ظن الفوات بالتأخير لا يمكن أن يتحقق منه العزم على الفعل في الآخر فإذا ترك الفعل حينئذ كان تاركا للفعل والعزم معا فيكون عاصيا فيتعين عليه الإتيان بالفعل وفيه بعد تسليم امتناع حصول العزم منه حينئذ أنه مبني على القول ببدلية العزم وهو ضعيف حسبما مر الرابع أنا نجد حكم العقل حينئذ حكما قطعيّا بعدم جواز التأخير حينئذ ووجوب المبادرة إلى الفعل فيجب الأخذ به وفيه أنه ليس ذلك من الفطريات ولا من الوجدانيات ونحوهما حتى ادعي الضرورة فيه فلا بد من بيان الوجه في قطع العقل به حتى ينظر فيه قلت ويمكن الاحتجاج عليه بوجهين أحدهما أن ذلك قضية وجوب الامتثال بحسب العرف فإن وجوب الفعل على المكلف وإلزام المكلف إياه قاض عرفا بتعين الإتيان به وإلا عد عاصيا مخالفا للأمر مع التأخير حينئذ وحصول الترك بل متهاونا في أداء مطلوب الأمر معرضا نفسه للمخالفة ولو مع خطاء ظنه ألا ترى أنه لو أمر المولى عبده بشراء اللحم كذلك واتفق أنه ظن العبد فوات الشراء مع التأخير فتعمّد التأخير فلم يتمكن من الإتيان به عد عاصيا مفوتا لمطلوب مولاه ثانيهما أنه مع وجوب الفعل وإلزام الشارع إياه وعدم إذنه في الترك لاشتماله على المصلحة التي لا يجوز للمكلف تفويتها بحكم العقل يتعين الإتيان به حينئذ احتياطا لتحصيل المطلوب بعد العلم باشتغال الذمة ودفعا للضرر المظنون بسبب التأخير وكما أن التعيين بالاشتغال يستدعي تحصيل اليقين بالفراغ وأداء ما يعلم منه بتفريغ كذا يقضي بتحصيل اليقين بالخروج عن عهدة ذلك التكليف وعدم حصول الترك له ولا يكون ذلك إلا بالإتيان به عند ذلك وعدم تأخيره عنه بل قد يشكل جواز التأخير في صورة الشك في الأداء مع التأخير كما سنشير إليه إذ قضية ما ذكرناه مراعاة الاحتياط في التعجيل عند حصول التردد إلا أن يقوم دليل قاطع لعذر المكلف يفيد جواز التأخير كما قام الدليل عليه في صورة ظن البقاء والحاصل أن الإذن المستفاد من الشارع في التأخير لا يعم صورة ظن الفوات وكذا حكم العقل بجواز التأخير للفعل وقضية حكم العقل بملاحظة ثانيها هو لزوم التعجيل ولا فرق حينئذ بين الواجبات الموسعة الموقتة وغيرها من الموسعات المطلقة بل الحال في الأخيرة أظهر والظاهر أنه مما لا خلاف فيه في المقامين ولو كان ظن الفوات بسبب ظنه تضيق الوقت وفواته مع التأخير فالظاهر وجوب التعجيل أيضا لعين ما ذكر ويحتمل عدمه استصحابا لبقاء الوقت سيما إذا لم يمكن استعلام الحال لظهور الفوات مع التأخير ولو أخرج فلم يعلم فوات الوقت بنى على الأداء لما ذكر من الاستصحاب فلا عبرة بالظن في الفوات مطلقا وإن اكتفي به في الحكم بدخول الوقت في بعض الصّور وحينئذ فيمكن الحكم بأدائية الظهرين مع جواز أداء العشاءين أيضا ولا يخلو عن بعد وقد يقال بقضاء ما دل على الاكتفاء بالظن في الدخول قضاءه به في الحكم بالخروج أيضا وفيه تأمل وإن لم يخل عن قرب ثانيها أنه لا إشكال في حصول العصيان لو أخر الواجب حينئذ فلم يتمكن من فعله فهو كتعمد الترك وأما إذا أخره وانكشف فساد ظنه فأتى بالفعل بعد ذلك فلا عصيان بالنسبة إلى الأمر المتعلق بالفعل لإتيانه به وهل يكون عاصيا بالتأخير الظاهر ذلك بل هو مما لا ينبغي التأمل فيه لما عرفت من وجوب إقدامه إذن على الفعل فيكون مخالفته عصيانا وقد نص عليه جماعة وعن القاضي أبي بكر في المسألة الآتية دعوى الإجماع عليه كما هو الظاهر إذ لم يظهر فيه مخالف سوى ما يظهر من شيخنا البهائي من التوقف فيه وقد يستفاد من العلامة في النهاية منعه لذلك في دفعه حجة القاضي في المسألة الآتية بعد نقله عنه حكاية الإجماع على العصيان حيث منع من تحقق العصيان بعد ظهور بطلان الظن إذ بعد تسليم تحقق التضيق وتعين الإتيان بالفعل حينئذ كيف يعقل انتفاء العصيان مع المخالفة وكأنه أراد به عدم حصول العصيان بالنسبة إلى أصل الواجب وعدم ترتب العقوبة على تلك المعصية وكيف كان فما يستفاد من ظاهره ضعيف جدا وكأنه ذكر ذلك إيرادا في الرد لا اعتقادا وإلا فالمنصوص في كلامه في موضع آخر تحقق العصيان واختار بعض أفاضل المتأخرين عدم العصيان معلّلا بأن وجوب العمل بالظن ليس وجوبا أصليّا كوجوب الصّلاة بل هو وجوب توصلي من باب المقدمة كالصلاة إلى الجوانب الأربع وترك وطي الزوجة عند اشتباهها بالأجنبيّة ولا عقاب على ترك المقدمات وإنما يترتب العقاب على ترك نفس الواجب وهو كما ترى إذ لو أراد بذلك المنع من وجوب الفعل لمنعه وجوب المقدمة فلا عصيان حينئذ من جهتها فهو فاسد إذ المفروض تسليمه الوجوب في المقام وتضيق الواجب عنده من جهة الظن المفروض وإن أراد به عدم تحقق العقوبة على ترك العقوبة المقدمة نفسها ففيه أن حصول العصيان غير متقوم بترتب العقوبة ولو لاستحقاق العقوبة فليس ملازمة استحقاق العقوبة مسلم المترتبة على ترك المقدمة إلا من جهة ترك نفس الواجب نظرا إلى أداء تركها إلى تركه كما مر الكلام وهو كاف في حصول العصيان في المقام فإن قلت إن المفروض في المقام عدم أداء تركها إلى ترك الواجب لانكشاف الخلاف فلا يترتب عليه العقوبة من جهة الأداء أيضا قلت من البين أن وجوب التعجيل في الفعل حينئذ ليس من جهة توقف الفعل عليه واقعا وإلا لما أمكن حصول الواجب من دونه ضرورة عدم إمكان حصول الواجب من دون مقدمته وإلا لم يكن مقدمة له بل إنما يجب ذلك من جهة كونه مقدمة للعلم بالخروج عن عهدة التكليف حينئذ حيث إن الواجب عليه العلم بعدم الإقدام على ترك الواجب المتوقف على الإقدام على الفعل حينئذ حسبما قررناه فالعصيان من الجهة المذكورة حاصل في المقام قطعا سواء انكشف الخلاف أو لا وترك الإتيان بالفعل حينئذ مؤد إليه تعيينا والحاصل أن التجري على ترك الواجب أو فعل الحرام محرم ويتوقف الاحتراز عنه على التعجيل في الفعل في المقام كما أنه يتوقف على الصلاة إلى الجوانب الأربع وترك وطي المرأتين عند الاشتباه فلو قصر في ذلك